محمد بن أحمد النهرواني

30

كتاب الإعلام بأعلام بيت الله الحرام

وغبر ، وإعلاما بأن ساكن الدنيا على جناح سفر ، ومفاكهة للفضلاء وإفادة لمن تأتّى بعد من البشر . فإن من أرخ فقد حاسب على عمره ، ومن كتب وقائع أيامه فقد كتب كتابا إلى من بعده بحوادث دهره ، ومن قبل ما شاهد فقد أشهد على أحوال أهل عصره ما لم يكن في عصره . ومن كتب التاريخ فقد أهدى إلى من بعده أعمارا ، وبوأ مسامعهم وأبصارهم ديارا ما كانت لهم دارا ، وأسكن أهل الآفاق ببلاد ما كانت لهم مستقرا ولا دارا . . . فإنني إن أرى الديار بعيني * فلعلى أرى الديار بسمعي ولقد أفادنا الأمم الماضون بأخبارهم ، وأطلعونا على ما دثر وبقي من آثارهم ، فأبصرنا ما لم نشاهده بأبصارهم ، وأحطنا بما لم نحط به خبرا من أخبارهم ، فرحمهم اللّه تعالى أجمعين ، وبوأهم جنات عدن فيها خالدين ، لقد غرسوا حتى أكلنا ، وإننا لنغرس حتى تأكل الناس بعدنا ، فأردنا إفادة من بعدنا ببعض ما رأينا وشهدنا ، وإعلامهم ببعض ما شاهدنا وعهدنا وعلمنا من الدعاء لهم والاسترحام ، وطلبنا للمثوبة من اللّه البر السلام [ ] « 1 » : لم يبق منا غير آثارنا * وتنمحى من بعد أخلاق وكلنا مرجعنا للغنى * وإنما اللّه هو الباقي تنبيه : لا يخفى على ضمائر أولى الأبصار ، وخواطر أهل الفضل الباهر ؛ أن المسجد الحرام الذي هو حرم آمن للأنام ؛ زاده اللّه شرفا وتعظيما ومنحة وعزا وعظمة ومهابة وتكريما ، أعظم مساجد الدنيا ، وأشرف مكان خصّه اللّه تعالى بالشرف والعلياء ، يجب تعظيمه وتكريمه على كافة الأنام ؛ لا سيما سلاطين الإسلام ؛ الذين هم ظل اللّه في العالم ، وخلائف اللّه في الأرض على كافة بني آدم .

--> ( 1 ) ما بين المعقوفتين مسح في ( س ) مما يشير إلى أن الناسخ ربما أراد أن يضيف شيئا .